أخطر ما في هذه الحرب؛ أن نسق التقنية الكلي للقرن الواحد والعشرين سينهار في الخليج. اقرأ هذا النص إذا كنت مهتماً بمعرفة آثار التقنية على الجغرافيا السياسية. نحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل نقف على حافة اختناق نسق تقني كامل. ما يُسمّى اليوم بثورة البيانات والذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة تعبيراً عن تفوّق بشري، بل قد يكون مؤشراً على طفرة جينية داخل النسق التقني نفسه؛ طفرة غير حميدة، وبداية التشوّه.
الصفحات
الثلاثاء، 17 مارس 2026
انهيار النسق التقني الكلي في الخليج
السبت، 3 مايو 2025
أركيولوجيا الانترنت الميّت (2)
يقدم العالم الراهن نفسه بمرونة، ولكن مسار قفزات التكنولوجيا تحمل معها انكماشات مريبة والتي غالبًا ما يتم تجاهلها. إذ تنطوي أزمة "تحول التنسيق التقني" على أربع معضلات أساسية: 1- فقدان التوافقيّة، 2- تسارع التقادم، 3- هشاشة التخزين، 4- مشاكل التجزئة.
وهنا أطرح مثالاً سريعاً عن فكرة "تحول التنسيق التقني": إن الانتقال من وسائط الأقراص المرنة (Floppy Disks) إلى ذاكرة الفلاش (Flash Memory)، كانت بمثابة حملة تصفيّة مفتوحة تعرض لها جزءً هائلاً من الذاكرة البشريّة.
حدث كل ذلك تحت وطئة الحاجة الملحة إلى استبدال البنية التحتية الكاملة للتقنيّة. تحدث تصفيّة الذاكرة الرقميّة نتيجة فائض تقني يندفع بشكل مهول ومتسارع لتحقيق قفزة تقنيّة. هذه القفزة؛ هي التي تَخلق نسقاً جديداً في التقنيّة. لذلك يصعب فهم أزمة تحول التنسيق التقني دون الوقوف مطولاً عند "أنساق التقنيّة"، لذلك أطرح عبر الجدول أدناه نموذجاً تقريبياً للفكرة:
لقد حددت الأنساق، أولاً وفق تغيرات ملحوظة على مستوى صناعة التقنية، وثانياً على ضوء أثر التغيرات الابستمولوجية والانطولوجية على "الذات" نتيجة تبدل شكل التقنية عبر التاريخ واخترت خاصيات كل نسق وفق توفر عناصر محددة سأشرحها في مقالٍ لاحق.
إذن، يُبنى العالم الراهن أسرع بآلاف الأضعاف من عالم القرن العشرين أو القرن التاسع عشر. إن العالم التقني ليس عالماً واحداً بل هو مجموعة عوالم، يمكن تخيّل ذلك وفق نظرية أنساق التقنيّة. لنقل على سبيل المثال: النسق التقني للقرن 20، النسق التقني لعصر النهضة، النسق التقني للدولة العباسية الإسلامية، وهكذا.
تدل الهشاشة الفظيعة المصابة بها بنيّة المشهد التقني الراهن على خللٍ عميق يطال ما نريد أن نكون عليه في المستقبل. يطال بالتحديد آليات انتقال التقنيات من نسق وتموضعها في نسقٍ آخر. إن الهشاشة هنا تصيب حلم المستقبل الذي يبدو من الواضح أنه يفقد جوهره ومكانته ومتانته البنيوي خلال عمليات الانتقال أو الارتحال.
الثلاثاء، 29 أبريل 2025
أركيولوجيا الانترنت الميّت (1)
نحن أول جيل يُنتج ذكرياتٍ أكثر من أي وقتٍ في التاريخ، وأول جيل سيُذكر بأنه لم يترك أي أثر. إنها معضلة الانترنت والبيانات الرقميّة. بعد 5000 عام؛ ماذا لو وجد أحفادنا هاتفك الذكي؟ أو ربما هكذا؛ نحن في عام 3045.. علماء يعثرون على هارد ديسك ويعتقدون أنه تميمة سحرية.
ماذا لو انقرض الإنترنت غدًا؟ هل سيعيدون اكتشافنا من ميمز القطط؟ بعد آلاف السنوت، قد يظن أحفادنا أن إنستغرام كان ديانة قديمة. ولكن لماذا أبني تصوراً عن الانقراض الرقمي؟
الجواب بسيط، لأن الانقراض الرقمي حدث كثيراً خلال العقديّن المنصرميّن دون أن يراعي صانعي المشهد التقني خطورة ذلك. لقد تم تصميم المشهد التقني كحركة مضادة للذاكرة. لقد انقرض "Myspace" واندثر جزءً كبيراً من أرشيفه الرقمي، بعدما استقبلت في يوم من الأيام، ملايين الأشخاص المحبين لثقافة الدردشة؛ ولكن الآن لا يمكن الوصول إلى على نسبة قليلة من المحادثات التي جرت ضمن وسطها الرقمي.
لا يوجد لها أثر أبداً. كذلك من الصعب أن تجد شخصاً يمتلك إيميل على منصة "ياهو، yahoo". إذ مَن منا لا يذكر منصة "ياهو" التي كانت تبدو نسخة فقيرة جداً من منصة "لايف" للمحادثات الرقميّة. للوهلة الآولى تبدو القضيّة أن ثمة خطورة شديدة تدور في فلك الذاكرة البشرية الرقمية. نعم، هناك مشكلة وجودية للبيانات الرقمية، فنحن أول حضارة توثّق كل شيء، ونحن أول حضارة قد تفقد كل توثيقها بسبب هشاشة التقنية.
الأحد، 27 أبريل 2025
تخيّل الحياة بعد عشرة آلاف سنة: الأثر الذي يتلاشى
إن تخيّل الحياة بعد عشرة آلاف سنة هو تمرين مشوّق من الخيال العلمي. على الرغم من قناعتي التامة بأن مصطلح "خيال علمي" قد انتهى ولم يعد صالحاً للحياة؛ ليس لأن الخيال العلمي قدّم كل ما يملك، ولكن لأن زجاجة الخيال العلمي تختنق بمياهها. فعلى سبيل المثال، في عام 23450 قد يرى أحدهم أثرنا.
نحن بطبيعتنا نكره فكرة الأزمنة الممتدة نحو أبعاد زمنية خارقة، ونفضّل التفكير في الفترات الزمنية القريبة، لذا نميل مثلاً إلى خلق رؤى حول عام 2030 ونرى في ذلك إنجازاً ضخماً. ولكن، ماذا عن رؤية مستقبلية تتعلق بعام 2100؟ إنه امتداد زمني يصعب التنبؤ به، بل قد يكون من المستحيل تخيله. وفقاً لهذا المنوال، تعتبر أي رؤية تمتد إلى ستة آلاف عام في المستقبل أشبه بأفكار خيالية. ومع ذلك، بعد حوالي 20968 سنة من الآن، قد يجد أحدهم سبيله إلى الأثر الرقمي لهذه المقالة.
أفكر فيما لو أن البشرية في المستقبل البعيد جداً ستكون قد ازدهرت فيها اختصاصات الحفريات الرقمية. أفكر في أن البيانات التي نرميها يومياً على الإنترنت قد تصبح مشوَّشة وصاخبة جداً بحيث يصعب ترتيبها. عندها ستحتاج البشرية إلى اختصاص جديد يعمل كما تعمل علوم الحفريات مع الهياكل العظمية. وفي حال وجد أحدهم في المستقبل البعيد سبيله إلى هذه المقالة، عليه أن يفهم أننا نخوض تجربة مختلفة جداً في التدوين، بعدما رمينا في البحر أساليب التدوين التي طوّرها الإنسان قبل ستة آلاف عام.
صحيح أننا بعد 20968 عاماً من الآن سنظهر كما كنا دائماً؛ فنحن ما زلنا نموذجاً جيداً للذكاء، ونقول الأمر نفسه عن أسلافنا القدماء. ونفتخر بشدة بإنجازات الثورة الزراعية التي حدثت قبل حوالي 13000 عام. لذلك، في المستقبل البعيد جداً، قد نبدو كما كنا دائماً؛ نموذجاً فريداً يطمح دائماً إلى استهداف المستقبل بطموحاته. ولكن، في المستقبل، قد نبدو أيضاً أغبياء؛ فلم نكن يوماً استثناءً في إنتاج الذكاء، وتاريخنا حافل بإظهار أسلافنا أغبياء مقارنةً بما نحن عليه اليوم، وسنبدو نحن أغبياء مقارنةً بأحفادنا غداً أو بعد ألف عام.
وكثيراً ما تتوافد إلى ذهني الأسئلة العملاقة: من هي أنجح حضارة في التعامل مع المستقبل على مستوى التخطيط وتحقيق المخططات المستقبلية؟ هل يمكننا تخيّل الحياة بعد عشرة آلاف سنة من الآن؟ هل نعتقد أن عشرة آلاف إنسان فقط على الأرض قادرون على تطوير الحياة؟ ما الفرق بين أرضٍ عليها عشرة آلاف إنسان فقط، وأرضٍ تحتوي على مئة ألف إنسان؟ كيف ستختلف الحياة بين الأرضين؟
الاثنين، 7 أبريل 2025
ما فعلته الآلهة: الكائن الرقمي والوفرة الماديّة (2)
إذن، وفق هذه الاعتبارات، يُنظر إلى الفضاء المادي المنفصل والمنقطع من منظور تكوين ظاهرته الذاتية، ملقيةً بنفسها أينما كان، ومجبرةً الآخرَ على رؤيتها والتفاعل معها والإحساس بها. إن هذا الحضورَ الماديَّ الذي يستدعي نفسه بنفسه إلى الوجود، كفيلٌ بأن يبتكر أدوات إنشاءٍ للواقع. إذ ليس خارج التمبلوم يُكتشف البعدُ الجديدُ للواقع، إنما داخله.
وليس بعيدًا عن "الروح التي تترأس الشيء" يُكتشف البُعدُ السحيقُ في الواقع، إنما من خلالها. ويمكن طرح السؤال الذي طرحه ميرتشا إلياده: "كيف يولد الشيء؟" (إلياده، 1987، ص 97). تولد الكينونة الرقميّة من الوفرة المادية لا من نقص يصيبها. ويقول إلياده: "كل خليقةٍ تنبع من الوفرة. الخلقُ فائضٌ من الطاقة. فيضٌ للطاقة. الخلقُ يتم إنجازه من خلال فائض وجود المادة".
إن فضاءَ المادة المنفصلة والمنقطعة وُضعت فيه كميةٌ كافيةٌ من المادة الكفيلةُ بأن تخرجه من العدم إلى النشأة، وأن تدفع كينونته للظهور في ذاته. إن معماريةَ التقنية الرقميّة، بشكلها القديم وصولاً إلى شكلها الحديث والراهن، تخضع لشروط نشوء كينونة التمبلوم عند الإغريق وشروط وفرة المادة إذ لا يمكن أن تنشأ الظاهرةُ الرقميةُ على الشاشة لو لم يكن هناك فيضٌ من وجود المادة تحتها.
إن معماريةَ الحوسبة الحديثة... نحن أمام عالمٍ لا نلمس ظواهره، بل نشعر بها، لأنه جرى تصميمه على أن ينفعلَ نحونا ويقبضَ على مسطح حواسنا. عندما ينبعث الكائنُ الرقميُّ من وسطه التقني المادي، يتوجه إلينا ليرتدي حواسنا ويوجهها. علينا أن نسمح للكائن الرقمي أن يأتي إلينا. أن نتيح له ابتلاعنا. ففي نهاية المطاف، نحن لا نشعر بالمادة كجمادٍ. نحن لا نشعر بالشاشة، بل نتوحد معها. وهذا تمامًا شعورٌ بالكائن الحي الذي يظهر من الوسط التقني. يتم هندسةُ الوسط التقني والنطاق الرقمي بنفس الأسلوب الذي تحدثت به هندسةُ المدن والمنازل. ثمة مشاعرُ تكتنزها الأماكنُ كبصمةٍ تنتج أثرًا فارقًا على مستوى الإحساس في قلب من يحضر إليها.
الجمعة، 4 أبريل 2025
علينا أن نفعل ما فعلته الآلهة: خلق الكائن الرقمي
نحن نخلق التقنيات؛ لا نبتكرها. ولديَّ إصرارٌ شرِهٌ في الإمساك بهذه الفكرة التي سأشرحها بالتفصيل. لذلك، قد تبدو المقالةُ طويلةً وبليدةً، لكنها تحتوي على كمٍّ هائلٍ من المعلومات المفيدة. وخلال دراستي الجامعية، قرأت عبارةً سنسكريتيةً استوقفتني بشدة. تقول العبارة: "إن ما ينطوي عليه الأمر هو خلقُ العالم الذي اختار الإنسانُ أن يسكنه. لذا فمن الضروري تقليدُ عمل الآلهة". هه المقولةُ السنسكريتيةُ تحاكي خلقَ الإنسانِ للعالم بتماهٍ كاملٍ مع فعل الله في خلق الوجود. لم أصدق ما كنت أقرؤه في مجموعة الكتب السنسكريتية، لأنها مبهرةٌ. وأظن أن من الممكن التأسيس عليها لبناء منظومةٍ فكريةٍ خصبةٍ حول عصرنا التقني والرقمي. لقد سعيتُ قدر المستطاع إلى فهم ما كان يقصده السنسكريتيون عن خلق الإنسان للعالم، حتى صرت أنظر إلى عالم التقنيات من منظور الخلق. اليوم، نشاهد كيف تحولت الأشياء والتقنيات إلى "كائناتٍ مستفزّةٍ". الإيموجي الظاهر فوق شاشة هاتفك هو كائنٌ رقميٌّ. هاتفك الذكيّ هو كائن تقني. إنها ليست كائناتٍ عَرَضية، بل كائنات ذات كينونة في ذاتها، وتجسد حمام صابون تقني رقمي وجودي؛ يغمرنا.
تمتلك الكائنات الرقمية بيئة ميتافيزيقية حية؛ وهي إلى يومنا هذا ما زالت تشبه الجزر الوجودية المهجورة والمجهولة. فخلف الشاشة، حياة كاملة يمكن الوصول إليها رقميا. إذ، يتم إنشاء الرسوم والنماذج، دون أن تكون لثانية واحدة جسدية أو مادية. لقد وُلدت رقميًا ولن يُلمسها أحد أبدًا.
كيف تؤثر هذه الكائنات الرقميّة في الطريقة التي نشعر بها؟ يتكوّن الكائن الرقمي ضمن بنية معماريةٍ معقدة ومركبةٍ وبين الأبعاد الميكانيكية والفيزيائية للحوسبة. تسمح الشاشة بأن يتكون كل ما نراه عليها وأن نشعر من خلاله. إن التقنياتُ الذكيةُ هي وسط تقني قادر على توليد الكينونة الرقمية للذات حتى تصير مهيأة على تسويغ ذاتها كظاهرة رقمية ممكنة، وقادرة على أن تخلق فينا المشاعر ونتلقاها بحميميةٍ كبرى.
التمبلوم الروماني وولادة الكائنات الرقمية
تشبه ظروف خلق الكائنات الرقميّة تلك الظروف التي كان يخلقها الرومانُ والإغريقُ عندما ينشئون الـ"تيمبلوم" (Templum) (τέμενος). فلطالما رمزت كلمة "تمبلوم" الرومانية/الإغريقية إلى "المعبد"، ففي هذا الحيز المكاني "التمبلوم"، ثمة أمور مميزة جدًا تخبرنا أن هذا الحيزَ يتجاوز كونه معبدًا فقط (موقع "https://friesian.com/vocab.htm"، الخانة 60).
لقد امتلك لفظ "تمبلوم" مرادفات كثيرة. فهو يعني في السياقات الرومانية والإغريقية الدينية "المعبد"، لكنه عبر التاريخ تعرّض للتشويش نتيجة وروده في القصائد والأساطير القديمة. لذلك إن المعنى الجذري للفظ هو "فضاء مادي منفصل ومنقطع". لقد قسّم الإغريق التمبلوم إلى أربعة أقسام. فهو بالشكل الكلي عبارة عن مساحةٍ أرضية وسماوية في الوقت عينه، ترصدها الآلهة وتحددها، ثم تتنازل عنها للناس لاحقًا (مقالة، www.perseus.tufts.edu، Templum، فقرة 4).
لم يبنِ الإغريق المعابد بشكل عشوائي، بل بنوها بأسلوب دقيق يراعي أشدَّ مراعاةٍ أحاسيس الداخلين إليها. كانت الأقسام توزَّع بين القاعة الرئيسية، والبهو، والردهة الخلفية، والخلوة المعزولة، والسيلا (Cella) - أي قاعة مخفية وخاصة جدًا - والإيبينوس (Epinaos) - وهو حجرة صغيرة في السيلا - بالإضافة إلى البروناوس (pronaos) - وهي مساحة خارجية محاذية للسيلا يحدها عدد محدد من الأعمدة، إما أربعة أو ستة أو عشرة.
اختلفت المساحات الهندسية على مستوى مواد البناء. فبعضها يُبنى بالخشب ومنفصل كليًا عن الأماكن التي تُبنى بالحجر والرخام والبرونز والذهب والفضة. كما كانت المساحاتُ تضيقُ وتتسعُ بشكلٍ فريدٍ جدًا. وأيضاً، لم يكن بناء التمبلوم عند الإغريق مسألة عادية، بل كان بناء معماريا صارما (مقالة، www.perseus.tufts.edu، "Templum"، فقرة 6).
إذن ثمة تمبلوم رقمي؛ إنه وسط واقعيّ ينشأ عبر الهندسة المادية الواقعية، ويُفرز بين ثنايا الأعمدة والمساحات شروطَ إمكان الإحساس بوجود أشياءَ ليست إلا متخيلةً. إنه فضاءٌ ماديّ ينطوي على إمكانات الهندسة المتخيلة التي توحي بتغيراتٍ في البناء في حالة إيهامية واستلابية وتشير إلى تغيير حتى في حالة عدم وجوده" (مقالة، www.perseus.tufts.edu، Templum، فقرة 11).
رهبة المكان أو رهبة الروح: نيومِن الكائن الرقمي
والنيومين تعني "الروحَ التي تترأس شيئا" (Google Translator، كلمة NUMEN). تمثل النيومين "رهبةَ المكان" أو رهبة الروح" التي تستمر في إلقاء ظلالها على الذات، وفيضَ الأثر الذي يدمغه الفضاءُ في العقل والروح. هذه "الروح التي تترأس الشيء" أو رهبة الروح هي ما تمتاز به الميميز والإيموجيز والكائنات الرقميّة. تحضر إلينا وهي ممتلئة بالروح التي تترأس نفسها. تظهر علينا برهبة ذاتها.
لذلك، ما كانت لتتكوْن رهبة التمبلوم لو لم يهتم الإغريق ببعد "فضاء المادة المنفصل" البصري، والذي وضعوا فيه ثقل أفكارهم وأحاسيسهم. إن النظامَ دقيق للغاية من الخطوط المنحنية والمحاور المائلة، "إن العين اليونانية شديدة الحساسية وتوضح بشكل أكثر وضوحًا من أي شيءٍ آخر، إلى أي مدى كانت التصوراتُ الجماليةُ والبصرُ المدروسُ بدقةٍ لليونانيين القدماء أعلى بكثير من تصوراتنا". (موقع، "https://www.perseus.tufts.edu/"، Templum، فقرة 27).
ما كانت لتتكون رهبة الكائنات الرقمية لو لم يكن هذا العالم الحالي؛ خلق لكي يكون مرئياً. فعبر "الروح التي تترأس الشيء"، وعبر البعد البصري والخطوط المائلة المرئية والخيوط الوهمية ولعبة الأضواء التي توحي بكثافةٍ وهمية في المادة، تنشأ "أنطوفانيا" فضاء المادة المنفصل والمنعزل. نحن هنا أمام مثال حي عن آلية نشوء كينونة المكان ورهبته التي تجعله يأتي إلى الناظرين ككيانٍ في ذاته.



