الصفحات

الثلاثاء، 17 مارس 2026

انهيار النسق التقني الكلي في الخليج

 أخطر ما في هذه الحرب؛ أن نسق التقنية الكلي للقرن الواحد والعشرين سينهار في الخليج. اقرأ هذا النص إذا كنت مهتماً بمعرفة آثار التقنية على الجغرافيا السياسية. نحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل نقف على حافة اختناق نسق تقني كامل. ما يُسمّى اليوم بثورة البيانات والذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة تعبيراً عن تفوّق بشري، بل قد يكون مؤشراً على طفرة جينية داخل النسق التقني نفسه؛ طفرة غير حميدة، وبداية التشوّه.

هذا النسق، الذي انطلق منذ أوائل القرن العشرين، وصل إلى مرحلة تشبّع المركز. وعندما يتشبّع المركز، يبدأ بإنتاج طفراته؛ نرى تضخماً بلا معنى، وإعادة تدوير لنفس الأفكار وتعقيد متزايد يخفي فراغاً في الجوهر. الذكاء الاصطناعي هو ربما التقنية الوحيدة التي أذهلتنا، لا بقدرتها على تحسين الحياة، بل بقدرتها على القتل. على عكس كل التقنيات الكبرى التي سبقته؛ من الكهرباء إلى الطب إلى وسائل النقل والتي نشأت أساساً من ضرورة تنظيم الحياة البشرية وتوسيع إمكانياتها، يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم محمّلاً بانبهار مختلف: انبهار بقوة القتل. ففي كل أنساق التقنية عبر التاريخ لم تظهر تقنية على أنها جوهر إدارة العنف والموت بكفاءة غير مسبوقة. لذلك أرى أن الذكاء الاصطناعي ليس امتداداً طبيعياً لمسار التقنيات التي خدمت البشرية، بل يبدو أحياناً كقفزة منحرفة في النسق؛ وهنا تظهر “فقاعة البيانات” بوجهها الأكثر هشاشة، تقنية محاطة بفقاعة مالية كبرى ولكن دون أهداف حقيقية. لقد تم جمع كميات هائلة من البيانات، وبُنيت لها مراكز أشبه بدهاليز مغلقة، لكن السؤال الجوهري بقي بلا جواب: ما الذي تغيّر فعلاً في بنية العالم؟ حتى الآن، لا نرى تحولاً نوعياً بقدر ما نرى: فوضى أكثر. عنفاً أكثر. تآكلاً أخلاقياً في مفاصل متعددة. كأن هذا التراكم الرقمي لم يُنتج معنى، بل أنتج ضجيجاً كثيفاً يخفي غياب المعنى. الخليج، في هذا السياق، لم يكن مجرد لاعب اقتصادي، بل تحوّل إلى أرض التمركز الهائل لرأس المال المتضخم—ما يشبه بنية “بونزي سكيم” حول عالم الذكاء الاصطناعي. يتم ضخ الاستثمارات في بنى رقمية عملاقة، على أمل أن تنتج مستقبلاً لم يتبلور بعد. لكن ماذا لو لم يأتِ هذا المستقبل؟ إذا انفجرت فقاعة البيانات—وهذا احتمال واقعي—فنحن لا نتحدث عن أزمة قطاع، بل عن: انهيار نسق تقني بكامله. انهيار كهذا لن يترك فراغاً بسيطاً، بل سيخلق: صدمة معرفية، فراغاً تكنولوجياً، إعادة طرح السؤال الأساسي: ماذا بعد؟ وهنا تحديداً، قد تبدأ مناطق مثل آسيا الوسطى بالتحرك. ليس لأنها أكثر تقدماً، بل لأنها لم تُستنزف داخل النسق المنهك نفسه. هي تقف خارج المركز، وبالتالي خارج الطفرة المرضية التي أصابته. في لحظة انهيار المركز، الأطراف تصبح أخف، وأكثر مرونة، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل مسارات جديدة. وإذا نظرنا إلى ما يجري عالمياً، يبدو أن ما نعيشه ليس مجرد تنافس دول، بل صراع على إعادة تشكيل النسق نفسه. الحرب الكبرى القائمة اليوم قد تكون، في أحد أوجهها، محاولة: لكسر عنق الزجاجة التقني، لإعادة توزيع مراكز القوة. ولتحرير مسارات التجارة والمعرفة من هيمنة النسق الحالي، ومع دخول الصين بشكل أعمق في هذا الصراع، خصوصاً عبر سعيها لإعادة تفعيل طرق الحرير، قد نشهد انتقالاً تدريجياً من عالم أحادي النسق إلى عالم: متعدد الأنساق التقنية. وأرجح أن الجغرافيا التي ستشهد نمواً مع تراجع مكانة الدول العربية الرقمية هي آسيا الوسطى.